السيد محمد حسين الطهراني
79
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
إباحة سلب إطلاق الحرّيّة عند وجود سببها الفطريّ المتمثّل في حرب من يريد هدم المجتمع وإهلاك الإنسانيّة ، وهو حكم مشروع في شريعة الفطرة ، له أصل واقعيّ لا يتغيّر ، وهو حاجة الإنسانيّة في بقائها إلى دفع ما يطاردها وجوداً ويناقضها بقاءً . وهو بغضّ النظر عن ذلك في المرتبة الثانية أصل اجتماعيّ عقلائيّ ويترتّب عليه وجوب حفظ المجتمع الإنسانيّ عن الانعدام والانهدام . فهذا هو الذي راموه في عملهم وأخذوه معنى وأنكروه اسماً ، غير أنّهم تعدّوا هذا القسم المشروع إلى غيره غير المشروع وهو الاستعباد بسبب الغلبة والسلطة . فهم لا يزالون قبل مسألة الإلغاء وبعدها يستعبدون الألوف والملايين من النفوس تحت نوع من الاسترقاق ، فيبيعون ويشترون ويهبون ويُعيرون ، إلّا أنّهم لا يسمّون ذلك استعباداً ، وإنّما يدعونه استعماراً أو استملاكاً أو قيمومة أو حماية أو عناية أو إعانة أو غير ذلك من الألفاظ التي لا يُراد بشيء منها إلّا أن يكون ساتراً على معنى الاستعباد ، وكلّما خلق أو خرق شيء من هذه الألفاظ رُمي به وجئ بآخر جديد . ويتّضح ممّا بيّنا في هذا البحث أنّه لم يبقَ ممّا نسخه قرار مؤتمر بروسل ولا يزال يقرع به أسماع الدنيا وأهلها وتتباهى به الدول المتمدّنة التي تدعو نفسها من روّاد المدنيّة الراقية ، وأنّ راية الحرّيّة الإنسانيّة بأيديهم ، لم يبقَ منه إلّا إلغاء الاستعباد من طريق بيع الأبناء والبنات والإخصاء من قبل آبائهم ، ولا فائدة هامّة فيه تعود إليهم ، مع كونه أشبه بالمسألة الفرديّة منه بالمسألة الاجتماعيّة ، ونسخه مع ذلك حجّة لفظيّة إعلاميّة بأيديهم كسائر حججهم التي لا تعدو مقام اللفظ ولا تصل مرحلة التحقّق والتنفيذ .